ابو القاسم عبد الكريم القشيري

186

كتاب المعراج

مسألة : فإن قيل : أفتقولون رتبة الرّسول ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، كانت ، في تلك اللّيلة ، أعلى من رتبته بعد رجوعه من المعراج ؟ قيل : لا نقول ذلك لأنه ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، كانت أحواله في الازدياد أبدا . فلم يردّ من الأعلى إلى الأدنى . بل كان قدره عند اللّه سبحانه ، بعد رجوعه ، مثل ما كان في حال ذهابه ، وقبل عروجه . فأمّا الزّيادات بيقينه ، فبعد المعراج كانت أوفر . وأمّا أحواله بسرّه وقلبه ، فكانت أصفى وألطف . ثم إنه ، عليه السّلام ، لا يغيب عن مشاهدة اللّه سبحانه طرفة عين . فسواء كان في السّماء ، أو على الأرض ، فلم يكن بغيبوبة حجته « 1 » عن شهود الحقّ سبحانه . وكانت الحاضرة له كالآخرة . ومشاهدة البقاع والأماكن وتلك العجائب ما كانت تؤثّر في حاله . ولا كانت توجب له غفلة عن الحقّ سبحانه . وإذا قال ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، لبعض الأمّة : اعبد اللّه كأنّك تراه « 2 » . وقال : الإحسان أن تعبد اللّه كأنّك تراه . فمن المحال أن نظنّ أن يأمرهم بذلك . ثم يكون حاله ، عليه السّلام ، دون ما يأمرهم به .

--> ( 1 ) - في الأصل « بعيونه حجته » ( 2 ) - أخرجه أبو نعيم في الحلية عن زيد بن أرقم وبقيته عنده : « واحسب نفسك مع الموتى ، واتّق دعوة المظلوم فإنّها مستجابة » وقد رمز السّيوطي لحسنة ، وذلك لأنّه معتضد برواية أبي الدّرداء عند الطّبراني ، وبها زيادة ، وهي وإن كانت رواية ضعيفة أيضا كما ذكره المنذري فإنّها تتقوّى بما سبق وترتقي إلى درجة الحسن .